ابن كثير

340

البداية والنهاية

وقد تفرد بطوله الإمام أحمد ( 1 ) . وروى أبو داود بعضه من حديث إسرائيل به ، ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش وحرض الناس على القتال والناس على مصافهم صابرين ذاكرين الله كثير كما قال الله تعالى آمرا لهم : " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ) الآية [ الأنفال : 45 ] . وقال الأموي : حدثنا معاوية بن عمرو ، عن أبي إسحاق . قال : قال الأوزاعي : كان يقال قلما ثبت قوم قياما ، فمن استطاع عند ذلك أن يجلس أو يغض طرفه ويذكر الله رجوت أن يسلم من الرياء . وقال عتبة بن ربيعة يوم بدر لأصحابه : ألا ترونهم - يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جثيا على الركب كأنهم حرس يتلمظون كما تتلمظ الحيات - أو قال الأفاعي - . قال الأموي في مغازيه : وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حين حرض المسلمين على القتال قد نفل كل امرئ ما أصاب . وقال " والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل [ فيقتل ] صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة " وذكر قصة عمير بن الحمام كما تقدم ، وقد قاتل بنفسه الكريمة قتالا شديدا ببدنه ، وكذلك أبو بكر الصديق كما كانا في العريش يجاهدان بالدعاء والتضرع ، ثم نزلا فحرضا وحثا على القتال وقاتلا بالأبدان جمعا بين المقامين الشريفين . قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي قال : لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا من العدو ، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا . ورواه النسائي من حديث أبي إسحاق عن حارثة عن علي قال : كنا إذا حمى البأس ولقي القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم ( 2 ) . وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو نعيم حدثنا مسعر عن أبي عون ، عن أبي صالح الحنفي عن علي . قال : قيل لعلي ولأبي بكر رضي الله عنهما يوم بدر : مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل ، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل - أو قال يشهد الصف ( 3 ) - وهذا يشبه ما تقدم من الحديث أن أبا بكر كان في الميمنة ولما تنزل الملائكة يوم بدر تنزيلا كان جبريل على أحد المجنبتين في خمسمائة من الملائكة ، فكان في الميمنة من ناحية أبي بكر الصديق ، وكان ميكائيل على المجنبة الأخرى في خمسمائة من الملائكة فوقفوا في المسيرة وكان علي بن أبي طالب فيها ( 4 ) وفي حديث رواه أبو يعلى من طريق محمد بن جبير بن مطعم عن علي . قال : كنت أسبح على القليب يوم بدر فجاءت ريح شديدة ثم

--> ( 1 ) الحديث بطوله في مسند أحمد 1 / 117 وذكره الهيثمي في الزوائد 6 / 75 وقال : رواه أحمد والبزار ، ورجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب وهو ثقة . وروى أبو داود بعضه في كتاب الجهاد باب : في المبارزة . ( 2 ) مسند أحمد 1 / 126 وأعاده في 1 / 156 واختصره في 1 / 86 . ( 3 ) مسند أحمد 2 / 255 ونقله السيوطي في الخصائص الكبرى 1 / 201 والصالحي في السيرة الشامية وعزاه للإمام أحمد والبزار والحاكم : في 4 / 63 . ( 4 ) رواه البيهقي في الدلائل 3 / 55 وأبو يعلى والحاكم عن علي رضي الله عنه . وذكره الهيثمي في الزوائد 6 / 77 وقال : رواه أبو يعلى ورجاله ثقات ، ونقله الصالحي في السيرة الشامية 4 / 61 .